الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
242
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
الناس ، ولم أهجم على الأمر إلّا بعد ما قدمت وأخرت ، وتأنيت وراجعت ، وأرسلت وسافرت ، وأعذرت وأنذرت ، وأعطيت القوم كلّ شيء يلتمسوه بعد ان عرضت عليهم كلّ شيء لم يلتمسوه ، فلمّا أبوا إلّا تلك أقدمت عليها ، فبلغ اللّه بي وبهم ما أراد ، وكان بي عليهم بما كان منّي إليهم شهيدا . ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال : أليس كذلك قالوا : بلى . فقال عليه السلام : وأما السادسة يا أخا اليهود : فمحاربة ابن آكلة الأكباد ، وهو طليق ابن طليق ، معاند للهّ عزّ وجلّ ولرسوله وللمؤمنين ، منذ بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلم إلى أن فتح اللّه عليه مكّة عنوة ، فأخذت بيعته وبيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم وفي ثلاثة مواطن بعده ، وأبوه بالأمس أوّل من سلّم علي بإمرة المؤمنين ، وجعل يحثّني على النهوض في أخذ حقّي من الماضين قبلي ، يجدّد لي بيعته كلّما أتاني ، وأعجب العجب انهّ لمّا رأى ربي تعالى قد ردّ إليّ حقّي وأقرهّ في معدنه ، وانقطع طعمه أن يصير في دين اللّه رابعا ، وفي أمانة اللّه حاكما ، كرّ على العاصي ابن العاص طمعه فاستماله فمال علي ، ثم أقبل به بعد أن أطعمه مصر ، وحرام عليه أن يأخذ من الفيء دون قسمه درهما ، وحرام على الراعي إيصال درهم إليه فوق حقهّ ، فأقبل يخبط البلاد بالظلم ، ويطأها بالفتن ، فمن تابعه أرضاه ، ومن خالفه ناواه ثم توجهّ إليّ ناكثا علينا ، مغيرا في البلاد شرقا وغربا ويمينا وشمالا ، والأنباء تأتيني ، والأخبار ترد علي بذلك ، فأتاني أعور ثقيف فأشار علي أن أوليّه البلاد الّتي هو بها لا داريه بما أوليّه منها ، وفي الّذي أشار به الرأي في أمر الدنيا لو وجدت عند اللّه عزّ وجلّ في توليته لي مخرجا ، وأصبت لنفسي في ذلك عذرا . فأعملت الرأي في ذلك ، وشاورت من أثق بنصيحته للهّ عزّ وجلّ ولرسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم ولي وللمؤمنين ، فكان رأيه في ابن آكلة الأكباد كرأيي ، ينهاني عن توليته ، ويحذّرني أن أدخل